قوة القلب

par جاكلين كيلين (Auteur)

لا يكاد يدور الحديث، في عالمنا المعاصر، سوى عن الرغبات الدنيوية والوجودية المتَّصلة بالجسد والمشاعر والحياة العاطفية والطموحات المتنوعة، بل إن الإعلانات والموضة ما انفكت تتبارى في اختراع رغبات جديدة لتكون ملحاحة متطلبة بقدر ما هي زائلة منتهية. ومع ذلك توجد في أعماق كلِّ إنسان رغباتٌ أخرى غالبًا ما تكون خفية، تراوح بين التوق إلى الكمال والحكمة من جهة، والرغبة في الخلود والأبدية من جهة أخرى، غير أنَّ السَّعي من وراء القيم غير المادية؛ مثل الجمال والصمت والحب، يتفوَّق في قوَّته على الحاجة إلى نيل الحظوة والسلطة والثراء، كما قال القديس أوغسطين الذي خَبِرَ لذائذ الدنيا ومغرياتها قبل أن يهتدي إلى الله: "الرغبة هي مقياس عمق القلب".

بتعدُّد درجات سُلَّم الرغبة تتفاوت غرائز الإنسان في قوَّتها ووجهتها؛ فبعض من هذه الرغبات ثقيلة ومحدودة، وبموجب ذلك تستقرُّ الفانية من تلك الرغبات الساعية إلى التملك في أسفل السلم، بينما تصعد رغبات أخرى نابعة من أعماق الروح في سعيها إلى ملامسة السماء. ومنذ العصور اليونانية القديمة، ومرورًا كذلك بالعصور الوسطى، تطلَّع الفلاسفة واللاهوتيون والشعراء والمفكرون الأخلاقيون جميعًا إلى التمييز بين درجات الرغبة ونَكهاتها المتنوعة التي باتت اليوم محصورة مقارباتها في ميادين علم النفس وعلم الجنس. ففي القرن الرابع قبل الميلاد، ميَّز أبيقور بين الرغبات الطبيعية الضرورية مثل: الحاجة إلى الطعام والنوم، والرغبات الطبيعية غير الضرورية، كالسعي وراء الطعام النَّادر أو الملابس الباهظة، وأخيرًا الرغبات التي لا تعتبر طبيعيَّةً أو ضروريَّة، مثل الرغبة في نيل الشرف أو المجد. وهذه الرغبات الأخيرة تقيِّد حرية الإنسان وتستعبد إرادته، لذلك وجب على الحكيم تجنبها، لأنَّها تعوق انطلاق الروح وطمأنينتها. أمَّا الرواقيون، فقد قسَّموا بدورهم الرَّغبات إلى سبعة  وعشرين نوعًا، داعين الإنسان إلى الزهد حتى لا تُؤذى النفس وتُستعبد. 

30,000 DT
En stock
Quantité
1

Vous aimerez aussi

| Arthephage